لوحة التحكم التسجيل

العودة   منتديات بوابة المعلم > واحة الجنه > القسم العام الاسلامى

 


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2011-04-07, 04:12 PM   #1
مدحت عبد الله
متميز بقسم الاخبار
 

افتراضي مفهوم الدولة المدنية في الإسلام بين الأصالة والمعاصرة

ما هي طبيعة هذه الدولة ؟ هل هي دولة دينية ؟ وهذا السؤال يقتضي طرح سؤالا آخر ما المقصود بالدولة الدينية ؟ هل هي دينية بالمفهوم المسيحي؟ أم أنها دولة مدنية ؟ وإذا كانت كذلك فما هو مفهوم المسلمين قديما وحديثا لمدنية الدولة ؟ وهل يتوافق هذا المفهوم ومفهوم العلمانيين المعاصرين؟ وقبل أن نذهب إلي تعريف الدولة الدينية والدولة المدنية يجدر بنا أن نتساءل: ما هي الآليات التي عالج بهاء الإسلام مسألة الحكم وما هي الأشكال التطبيقية للحكومة الإسلامية؟ ما هي الشورى, ومن يستشار هل الناس كل الناس أم العلماء أهل الاختصاص؟ ما علاقة الشورى بالديمقراطية ؟ وهل الديمقراطية كفر كما ذهب بعض الجامدين أحادي النظرة ؟ أم أنها طوق النجاة ولا صلاح لنا إلا بها كما ذهب كثير من العلمانيين؟
1- الدولة الدينية:- هي تلك الدولة التي تنهض علي نظرية الحق الإلهي, ويستمد حكامها سلطتهم من السماء الأمر الذي يجعل الحكم أمرا دينيا فوق النقد والمساءلة ( فهمي هويدي – كتاب الإسلام والديمقراطية ص185, 1413) وهو ما قاله "جيمس الأول" ملك انجلترا:- " إننا نحن الملوك نجلس علي عرش الله علي الأرض " أما لويس الخامس عشر فأصدر مرسوماً في شهر ديسمبر 1770 جاء فيه:- " إننا لم نتلق التاج إلا من الله فسلطة سن القوانين هي من اختصاصنا وحدنا بلا تبعة ولا شركة " ( د/ إمام عبد الفتاح: الطاغية ص 157 عالم المعرفة ع ,183 )
2- الدولة الدينية الثيوقراطية هي:- الدولة التي تعلو فيها إرادة الحاكم علي كل إرادة سواها لأنه يستمد سلطانه من الله مباشرة وهو ما يتنزه عنه الإسلام كما سنوضح لا حقا.
3- الدولة المدنية:- يتمحور النزاع حول مدنية الدولة, حول السؤال: هل ينظم الدين علاقة الإنسان بربه, وينظم كذلك علاقة الناس بعضهم ببعض فيما يضطرون فيه من وسائل العيش وشئون الاجتماع ؟
يجمع الناس علي إن الدين يسمو بالنفوس إلي الله جل وعلا ولكنهم مختلفون في انه مع ذلك دستور وقانون للمجتمع, العلمانيون والمسيحيون علي المذهب الأول بينما الإسلاميون يذهبون إلي أن الإسلام دين ودنيا.
علي كل حال الدولة المدنية لابد لها من دستور تتحاكم إليه ويضبط إيقاع المجتمع وينظم العلاقة بين إفراده وهيئاته ومنظماته, والدستور يقوم علي إيديولوجية يرتضيها المجتمع, فالمجتمع الرأسمالي ارتضي اللبرالية إيديولوجية له لذلك لا يصح ان يشرع له ماركسياً او اشتراكياً وكذلك المجتمع الشيوعي أو الاشتراكي لا يشرع له ولا يقنن له ليبراليا.
ومع إدعاء دول الغرب المسيحي مدنية دولهم أي لا علاقة للدين بدساتيرهم, وأنظمتهم إلا إننا نجد هذه الدساتير تنص أو تشترط أن يكون الملك أو الرئيس مسيحيا, ليس هذا فقط بل تحدد مذهب الحاكم ؟ ! فقد جاء في المادة ( 1 ) من الدستور اليوناني: المذهب الرسمي لأمة اليونان هو مذهب الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية, وفي المادة (47) منه, كل من يعتلي عرش اليونان يجب ان يكون من إتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية 0
وجاء في وثيقة الحقوق في إنجلترا ( المادة 8) لا يسمح لكاثوليكي أن يرث أو يعتلي العرش البريطاني.. فعلي كل شخص يتولى الملك أن يكون من رعايا كنيسة إنجلترا – البروتستانتية – ولا يسمح بتاتاً لغير المسيحيين ولا لغير البروتستانتيين أن يكونوا أعضاء في مجلس اللوردات ويعتبر ملك إنجلترا حامياً للكنيسة البروتستانتية في العالم.
وفي الدستور السويدي ( المادة 4 ) يجب أن يكون الملك من أتباع المذهب الإنجيلي الخالص، وفيه:- يجب أن يكون أعضاء المجلس الوطني من أتباع المذهب الإنجيلي.. وفي الدستور الدانمركي:- يجب أن يكون الملك من أتباع الكنيسة الإنجيلية اللوثرية، وفي الدستور الأسباني:- يجب أن يكون رئيس الدولة من رعايا الكنيسة الكاثوليكية وفي المادة (6 ) منه: علي الدولة رسميا حماية اعتناق وممارسة شعائر المذهب الكاثوليكي باعتباره المذهب الرسمي لها.
ولنا أن نتساءل:- كيف تكون هذه دول مدنية في الوقت الذي يكون الدين والمذهب شرطان ضروريان لاعتلاء منصب الرئاسة؟، ولماذا الصياح والضجيج والاعتراض علي المادة الثانية في الدستور المصري والتي تنص علي أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع؟، ولماذا إستئساد العلمانيين علينا ورمينا بما ليس فينا:- انتم تريدون دولة دينية, أي أن إقامة المجتمع الإسلامي دعوة الي الحكومة الدينية ؟ !، وموقفهم هذا ينم عن جهل وعدم فهم لطبيعة النظام السياسي في الإسلام,
إما أهل الغرب المسيحي فيصدق فيهم المقولة الشهيرة: رمتني بدائها وانسلت، وهو نوع من حربهم للإسلام والمسلمين, ودعوي هؤلاء وأولئك ينفيها التطبيق العملي للإسلام كما مر معنا باختصار, كما ينفيه ويفصح عن اتجاهات الإسلام النافية للدولة الدينية.. ويقول الداعية الإسلامي المنصف الأستاذ عمر التلمساني في كتابه ( الحكومة الدينية ):- ( الحكومة الدينية شعار جديد بدأ يتردد علي صفحات الجرائد بأقلام لا يجهل أحد اتجاهاتها الفكرية وميولها المذهبية, شعار لا عهد للإسلام به ولا يعرفه بل وينكره مبني ومعني, ذلك أن الإسلام لا يعرف في تعاليمه رجل دين ورجل غير دين، ويمضي برهاناً علي ما يقوله في شرح طبيعة الحكم في الإسلام فيقول: كما يفصح عنه كتابي هذا:- إن العيب ليس عيب الإسلام ولكنه عيب الحكام الذين يدعون تطبيقه وهم ابعد ما يكون عن هذا التطبيق التزاما وسلوكا وتطبيقا"( د0 حسين فوزي النجار: الدولة والحكم في الإسلام ص19ط أولي )
4- مظاهر مدنية الدولة في الإسلام:-
أولا:- قديماً, دولة المدينة والتي أسسها الرسول صلي الله عله وسلم, قامت هذه الدولة علي مبدأ المسؤولية السياسية والاجتماعية, وقد مر هذا المبدأ بمرحلتين:
1. مرحلة التحضير لقيامها:- وذلك بالتفاوض والتعاقد مع وفد يثرب في موسم الحج, وقد انتهت هذه المرحلة كما نعلم ببيعتي العقبة الأولي والثانية, وهما عقدان حقيقيان علي ما يقول الدكتور ضياء الدين الريس ويهمنا هنا التركيز علي بيعة العقبة الثانية لا لأنها بيعة علي الإيمان بالله ورسوله فقط ولكن لأن فيها تتجلي مدنية الدولة علي اعتبار أنها عقد سياسي و عسكري أي هي الميثاق الاجتماعي الأول لقيام الدولة فقد تضمنت المسؤولية المشتركة بين القائد رئيس الدولة الرسول صلي الله عليه وسلم وبين الوفد اليثربي من الأوس والخزرج, وقد حرص الطرفان علي تأكيد هذه المسؤولية بين الحاكم والمحكومين ,ولا شك أن هذا عقد اجتماعي بكل معني هذه الكلمة ,
2. مرحلة التنظيم بعد التأسيس الفعلي في المدينة:- فقد تبع ذلك إعلان الرسول صلي الله عليه وسلم دستوره المشهور والمنشور، بل إن البعض يعتبره أول دستور مكتوب عرفه العالم بين المهاجرين والأنصار واليهود والذي جاء فيه:- " هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم, أنهم أمة واحدة من دون الناس " ( السيرة النبوية لابن هشام, و نظرية الإمامة بين الزيدية والمعتزلة, أطروحة ماجستير لكاتب هذه السطور) والرسول صلي الله عليه وسلم اعتبر المجتمع المدني أمة المسلمين وعلى غير المسلمين فيه ما علي المسلمين من حقوق وواجبات.
ولو ذهبنا نعدد مظاهر مدنية الدولة الإسلامية في عهد النبي لطال بنا المقام ولكننا نضيف إلي ما سبق
سأل الحباب بن المنذر الرسول صلي الله عليه وسلم وقد نزل عند أدني ماء من بدر:-" يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله فليس لنا إن نتقدمه ولا نتأخر عنه, أم هو الرأي والحرب والمكيدة " قال النبي:- بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله, فان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي ادني ماء من القوم فننزل ثم نعور ما وراءه من القليب - البئر - ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون وما لبث النبي إن رأي صواب ما أشار به الحباب فاتبعه، ومعنى هذا أن النبي أعلن للناس أن ما يتعلق بأمر الدنيا إنما هو بشر مثلهم وان الأمر شوري بينهم.
ثم كانت مشاورة النبي صلي الله عليه وسلم المسلمين في أسري بدر ومعلوم اختلاف رأي أبي بكر في أمرهم عن رأي عمر.
والمقصود هنا إن ما كان من أمر الدين أو بمعني أوضح ما كان من أمر ما هو قطعي الدلالة فليس للمسلمين فيه غير الإتباع وأما ما هو من أمر الدنيا ولا يمس العقيدة فالأمر فيه للمسلمين, وهو ما يعني:- أن السلطة في الدولة الإسلامية هي سلطة مدنية أي هي سلطة تستمد وجودها وشرعيتها من الناس.. مما سبق يتبين لنا أن الرسول صلي الله عليه وسلم - مع كمال عقله ورجحان راية ونزول الوحي عليه – كان يستشير أصحابه لا منة منه ولا مجاملة لهم وإنما لحاجته إلى رأي يثق به ويطمئن إلي رأيه وعلمه وتجاربه وكفايته كل في مجال تخصصه, مما يدل علي أن الشورى واجب ونظام أساسي من أسس الحكم في الإسلام ( محمود ماضي: معالم الشورى في الإسلام دار الأرقم عام 1990) وعند قوله صلي الله عليه وسلم:- " انتم اعلم بشئون دنياكم " ذهب صاحب الكشاف إلي القول:- " في أمور الحرب ونحوها مما لم ينزل عليك فيه وحي لتستظهر برأيهم وتطييب النفوس ورفع قدرهم .. وقد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده "
ولقد ترجم الراشدون هذا في ارض الواقع وقد قامت خلافتهم للنبي علي البيعة , يقول أبو بكر بعد أن بويع له بخلافة الرسول :- " فإن أحسنت فاعنوني وإن أسأت فقوموني " وهو بذلك رد الأمر إلي سلطة الجمهور الذي اختاره وبايعه , وهو ما أكده الفاروق عمر حين بويع بالخلافة إذ قال:- " وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم "، وفي موقف آخر يقول عمر:- "من رأي منكم في اعوجاجا فليقومه "، فيتصدى له رجل قائلاً:- " والله لو رأينا فيك إعوجاجاً لقومناه بسيوفنا ," وهو هو عمر الخليفة الوكيل عن الأمة لا ينزل عند سلطة الجمهور بل ينزل علي رأي المرأة التي وقفت في المسجد ترد عليه حين نهي عن المغالاة في المهور, وهذا هو بلال العبد الحبشي يتزعم طائفة من الصحابة ويقف في وجه عمر, في وجه أمير المؤمنين يحاججه في قسمة دخل العراق فلم يأمر عمر حرسه الخاص ولم يأمر أمن الدولة باعتقاله، لم يجد عمر طرقا لرده إلا أن يجأر إلي الله سبحانه وتعالي مستعيناً علي بلال وأصحابه , فلا سلطة لاهوتية لديك يا عمر تطبع دولتك بطابع ثيوقراطي تعلو فيها سلطتك علي سلطة المجموع، مما يؤكد بعد النظام الإسلامي عن التفويض الإلهي للحاكم, زجر عمر كاتبه وقد أمره بكتابة رسالة:- هذا ما أرى الله عمر فزجره قائلاً:- اكتب هذا ما رأى عمر لأن هذه الصفة مختصة بالنبي صلي الله عليه وسلم ( الدكتور محمود ماضي:- المصدر السابق ) كما أن أبا بكر رفض أن يدعوه بخليفة الله ولكنه رضي أن يكون خليفة رسول الله وينادى به.
ولو كانت دولة دينية لا سلطان للبشر فيها ما كان للإمام علي أن يقول يوم أن بويع له بالخلافة:- " ليس ذلك إليكم إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر فمن رضيه أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة فنجتمع وننظر في هذا الأمر " ثم يكرر:- " إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا أن أمرتم " ( الدكتور محمود ماضي: نظرية الإمامة بين الزبدية والمعتزلة )
وما ينبغي التأكيد عليه هنا أن بيعة الراشدين كانت عقداً اجتماعي بين الواحد منهم وبين جمع من المسلمين, تم بعد تشاور ورضا، أما الزعم بأنها لم تكن كذلك فيكفي أن نقرر مع الإمام ابن تيمية القول :- " ولو قدر أن أبا بكر بايعه عمر وطائفة وامتنع سائر الصحابة من بيعته لم يصر إماماً وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر صار إماماً لما بايعوه وأطاعوه ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماماً " ( المنتقي من منهاج الاعتقاد ص 57-58) فعهد أبي بكر لا يعدو كونه إعلانا عن رأيه فيمن يخلفه ولهم إن يوافقوا أو يعترضوا.
والشورى مظهر من مظاهر مدنية الدولة , يقول الدكتور طه حسين - وهو من هو في الفكر العلماني -: " وما رأيك في أن الإنسانية لم تستطع إلى الآن, على ما جربت من تجارب وبلغت من رقي وعلى ما بلغت من فنون الحكم وصور الحكومات, أن تنشئ نظاماً سياسياً يتحقق فيه العدل السياسي والاجتماعي بين الناس علي النحو الذي كان أبو بكر وعمر يريدان أن يحققاه للناس " ( الفتنة الكبرى ص625 دار المعارف 1959)
نخلص مما سبق إلي أن:- الولاية للأمة، فهي صاحبة الاختيار ورضاها شرط لاستمرار من يقع عليه الاختيار، فقد قال جمهور أهل السنة والمعتزلة والخوارج إن طريق ثبوت الإمامة أو الرئاسة الاختيار من الأمة ( د محمود ماضي : السابق ) فأبا بكر وعمر وعثمان وعلي جاءوا إلي الحكم بمبايعة الأمة لهم مبايعة تحمل معني الحكم الجمهوري الحديث حتى يعترف المستشرق توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلي الإسلام:- إن الإسلام في جوهره نظام سياسي او نظام دنيوي بقدر ما هو نظام ديني، ويقول عبد الرحمن الكواكبي في ( طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ص342 , 346):- ما كان ليتم لولا أن الإسلام جاء محكماً لقواعد الحرية السياسية فأسس التوحيد واظهر للوجود حكومة كحكومة الخلفاء الراشدين الذين فهموا معني القرآن وعملوا به واتخذوه إماما فأنشأوا حكومة قضت بالتساوي حتى بينهم أنفسهم وبين فقراء الأمة في نعيم الحياة وشظفها، كما أنه – أي الإسلام – ينطوي صراحة علي ضرورة بناء ما يقابل في أيامنا هذه " مجالس الشورى العمومية " وعلى توجيه الأمة بحسب " أصول الإدارة الديمقراطية" فلا مجال للقول إنه كان في الإسلام في عهد الراشدين نفوذ ديني في غير مسائل إقامة الدين
ثانيا: في العصر الحديث:- وقد أشرنا فيما مضي إلي الدولة في صدر الإسلام أو تلك التي أسسها الرسول - صلي الله عليه وسلم - ونظام الحكم في عهد الراشدين ومظاهر مدنية الدولة آنذاك.. وهنا نتناول وضع الدولة الإسلامية في عصرنا وكيف يمكن المواءمة بين تشريعات الإسلام وما تقتضيه مستجدات العصر..
ونقول أن المسلمون يواجهون تطور الهائل في مشكلات العصر والتي لم تكن موجودة في عصورهم الأولي, فهل نواجهها بأفكار وأراء سلفنا وحتى بنفس آلياتهم ؟
ولقد انقسم المسلمون أمام الحضارة المعاصرة وما تحمل من مشكلات إلي فريقين:-
الأول: رأي نقل تجربة الآباء في صدر الإسلام وعبر تاريخنا وإنزالها علي واقعنا المعايش ودون التمييز بين ما كان رأياً فقهياً وما كان حكماً شرعياً واجب الالتزام به في كل عصر,
وأما أصحاب الرأي الثاني: رأوا ضرورة التوفيق بين الآراء الفقهية للسلف ووقائع العصر والأخذ بما يتناسب وكل مشكلة, فإن لم يتلاءم وما نحن يصدده الآن فلسنا ملزمين الأخذ به , فالفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، فآراء سلفنا – فيما يتعلق بأمور الدنيا - ما هي إلا وقائع تاريخية مضت ولا يمكن لماضٍٍ أن يعود, فنداء المسلمين بضرورة العودة إلي الإسلام أنما هو العودة إلي قيم الإسلام ومبادئه والالتزام بما هو قطعي الدلالة لا إلي عصر من عصوره , وعلي المنادين بالعودة إلي العصور السالفة من المسلمين أن يدركوا هذا , وعلينا أن نبينه للعلمانيين , فهو من صميم دعوتنا يقول الإمام حسن البنا:- " إن لكل عصر طريقاً في الكتابة تتناسب مع أسلوب أهله في الفهم وطريقهم في الدراسة ولابد من هذا التجديد تبعا لتجدد عقول الناس وتغير طرق البحث والتفكير والاستنباط " ونري من المناسب هنا أن نأتي بما قاله الإمام ابن عقيل وهو يعرف السياسة لعله يكون مقنعاً أو رادعاً للذين تجمدوا علي حرفية الآراء الفقهية للسلف , يقول:-" السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب الي الصلاح وأبعد عن الفساد , وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي " ومن قال لا سياسة إلا ما وافق الشرع فصحيح ومن قال لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة " ( ابن القيم: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص 24 المكتبة التوفيقية بالقاهرة , والتأصيل الشرعي للعمل السياسي: محمود ماضي )
بين الشورى والديمقراطية:- مر معنا أن الإسلام وضع قواعد عامة لإقامة نظام الحكم فلم يحدد طريقة محددة لا يمكن للمسلمين تجاوزها في اختيار الحاكم وقرر الشورى مبدأ من مبادئ النظام الإسلامي ولم يلزمنا بكيفية محددة لتطبيقها, فلماذا هذا الإجمال دون التفصيل؟
نري من جانبنا أن الشرع ما ترك هذه التفاصيل إلا تقديراً للعقل البشري ,أقصد ترك مساحة واسعة ليختار المسلمون ما يناسب بيئتهم المكانية والزمانية, يقول الإمام البنا في هذا الصدد:- " وضع الإسلام الأصول الكلية والقواعد العامة والمقاصد الجامعة وفرض علي الناس تحقيقها وترك لهم الجزئيات والتفاصيل يطبقونها بحسب ظروفهم وعصورهم ويجتهدون في ذلك ما وسعتهم المصلحة وواتاهم الاجتهاد، وأريد القول أن هذه التفاصيل غير ملزمة وإنما الملزم هو مضمون الشورى ووجوب اختيار الحكام وفق إرادة الأمة "( د محمد سليم العوا: في النظام السياسي للدولة الإسلامية ص242 دار الشروق 1410) , والأساس في مبدأ الشورى ضمان الحرية التامة في إبداء الرأي , يقول الشيخ شلتوت:- " الأساس في الاستشارة كفالة الحرية التامة في إبداء الرأي ما لم تمس أصلا من أصول العقيدة " ( الإسلام عقيدة وشريعة ص 442)، ومن قبل ذهب الكواكبي إلى القول:- " إن الصلاح والفساد دائران مع سنة الاستشارة أو الاستقلال في الرأي " (المصدر السابق ) ’ فالحكومة التي تقوم علي الشورى –فيما يقول الإمام ألبنا – هي قلب الإصلاح الاجتماعي كله فإذا فسدت أوضاعها فسد الأمر كله وإذا صلحت صلح الأمر كله.
وإذا كانت الديمقراطية المعاصرة تعني بتأكيد سلطة المجتمع ومراقبة الحكام ومحاسبتهم, فان مبدأ الشورى قرر بجلاء " سلطة الأمة وأكدها وأوصي بان يكون كل مسلم مشرفاً تمام الإشراف علي تصرفات حكومته يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب، وهو كما فرض علي الحاكم أن يعمل لمصلحة المحكومين بإحقاق الحق وإبطال الباطل، فرض علي المحكومين كذلك أن يسمعوا ويطيعوا للحاكم إذا ما كان كذلك "
فتقرير سلطة الأمة التي تحفل بها الديمقراطيات المعاصرة قررها الإسلام منذ دولته الأولي , يقول الرسول صلي الله عليه وسلم:- " الدين النصيحة: قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم " ويقول أيضا:- " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ", ويجب ألا يغيب عنا قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب العمل بها، فهي قطب الدين كما عرفها الإمام الغزالي في " إحياء علوم الدين " فواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وقد حصره الناس في النطاق الأخلاقي دون غيره إنما:- " يشمل في عموم أدلته وإطلاقه كل ما يتصور من أمور تتعلق بالحياة العامة للأمة " ( د/ العوا: المصدر السابق ص218) فهو عند عموم أهل العلم مصطلح سياسي بالدرجة الأولى, فإذا كانت الشورى بهذه المثابة في حرية المجتمع في طريقة اختيار الحاكم ومحاسبته فإنها تتفق والديمقراطية في هذا الصدد، وقد ذهب بعض المفكرين المسلمين المعاصرين إلي القول:- " مبدأ الشورى وهو أساس الديمقراطية الحديثة ومبدأ المساواة في الحقوق والواجبات وهو قوام الحرية فالمساواة هي قوام المجتمع الحر، فكانت تلك الديمقراطية التي شرعها الإسلام طرازاً فذاً لديمقراطية تقوم علي تحقيق المساواة السياسية والاجتماعية أو الديمقراطية بجناحيها السياسي والاقتصادي بلغة العصر " ( د حسين فوزي النجار: الدولة والحكم في الإسلام ص 50 ط اولي 1985 ) .
ومعنى ذلك إذا أردنا أن نستعمل لغة القوانين الدستورية الحديثة أن الأمة من الوجهة السياسية هي مصدر السلطات بعد ذلك هل يحق لأحد أن يقول إن دولتكم دولة دينية ؟!
غير أننا وجدنا من بني جلدتنا من يعتبر الديمقراطية كفرا لا لأنها تجعل السلطة والسيادة للشعب, ولكن لأنها كما يقولون صناعة غربية الشيخ محمد الغزالي يفند هذا التوجه بالقول:- " ذلك الكلام يحتاج إلى ضوابط فالديمقراطية ليست ديناً يوضع في صف الإسلام, وإنما هي تنظيم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم ننظر إليه لنطالع كيف توفرت الكرامة الفردية للمؤيد والمعارض علي السواء، وكيف شيدت أسوار قانونية لمنع الفرد أن يطغي, ولتشجيع المخالف أن يقول بملء فمه: لا, لا يخشى سجناً ولا إعتقالاً .. إن الاستبداد كان الغول الذي أكل ديننا ودنيانا, فهل يحرم علي ناشدي الخير للمسلمين أن يقتبسوا بعض الإجراءات التي فعلتها الأمم الأخرى, لما بليت بمثل ما ابتلينا به, إن الوسائل التي نخدم بها عقائدنا وفضائلنا هي جزء من الفكر الإنساني العام لا علاقة له بالغاية المنشودة, وقد رأينا أصحاب الفلسفات المتناقضة يتناقلون الكثير في هذا المجال دون حرج، فالحرج كله أن ندع ديننا وأن نزهد في أصوله وقيمه , إيثاراً لوجهة أخري مجلوبة من الشرق أو من الغرب " ( دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين ص211) ويضيف أصحاب تكفير الديمقراطية ومن يأخذ بها , أن ترجيح الآراء يقوم علي رأى الأغلبية وليس هذا من الإسلام، لا شك أن الأكثرية قد تخطئ وكذلك الأقلية فلا عصمة لبشر إلا لرسول الله , ولكن مجلساً نيابياً يستجمع الشروط:- من العدالة والحكمة , مجلساً أعضاؤه من ذوي الألباب , أي ذوي الفهم والعلم والمعرفة والخبرة، مجلساً كهذا أغلبيته لا تضل يقول النبي صلي الله عليه وسلم:- " اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة , فعليكم بالجماعة فإن الله عز وجل لن يجمع أمتي إلا علي هدي "( مسند الامام احمد ج2 ص 62 )، وقال أيضاً:- " إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد عل ضلالة فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم " ( الاعتصام للشاطبي , محمود ماضي: معالم الشورى ) وفي هذا قال الامام الغزالي:- " والكثرة في الأتباع والأشياع وتناصر أهل الاتفاق والإجماع اقوي مسلك من مسالك الترجيح " ( الرد علي الباطنية ص 62 1956 )
إن الحرية ومقاومة الاستبداد والقضاء علي الفساد كل ذلك يحتاج الي وسائل، وهذه الوسائل هي مشترك إنساني عام، لنا أن نأخذ به أو ببعضه, منه الديمقراطية وآليات التطبيق، ما لم يتعارض أي من هذه الوسائل أو آلياتها مع قطعيات الشرع الإسلامي
لقد أخذ الرسول صلي الله عليه وسلم بفكرة حفر الخندق من الفرس، وأيضاً رضي من أسري الكفار في بدر أن يعلموا من المسلمين ما هو متاح، كما أخذ عمر بأساليب ما هي عربية ولا إسلامية لتنظيم ما جاءت به الشريعة الإسلامية ولم يقل أحد إن عمرا كان علمانياً أو عميلاً ! وهل ما فعله عمر ديناً حتى يقال إن دولتكم دولة دينية ؟ وهل كان عمر بما فعل علمانياً حتي يرفض بعض المسلمين القول بمدنية الدولة ؟!
ذهب بعض المسلمين— من أصحاب الرأي الواحد – إلي أن الديمقراطية كفر وما يتمخض عنها من انتخابات ومجالس كفرية لأنها تشرع من دون الله تعالي حتى كتب أحدهم رسالة عنون لها ب " القول السديد في أن دخول المجلس النيابي ينافي التوحيد " ولا شك أن هذا خلط عجيب يدخل مسائل العمل في مسائل العقيدة , ومسائل العمل تدور بين الصواب والخطأ لا بين الإيمان والكفر فهي من السياسة الشرعية التي يؤجر المجتهد فيها مرتين إذا أصاب ومرة واحدة إذا أخطأه التوفيق ( د القرضاوي: أولويات الحركة الإسلامية ص123) وهو نفس ما وقع فيه الخوارج قديما حين كفروا الإمام عليا بأمر عملي يتعلق بالسياسة والاجتهاد !
لقد كان للمسلمين في مصادر التشريع الأصلية ( القرآن والسنة ) والمصادر التبعية ( الإجماع , والقياس و الاستحسان والمصالح المرسلة و سد الذرائع والعرف و الاستصحاب و شرع من قبلنا ) ما فسح لهم المجال الواسع في ميادين التطور والتقدم ولم يقل أحد إن مجالسكم النيابية مجالس كفرية وأنكم تشرعون من دون الله من هذا المنطلق يشير الإمام البنا إلي النظام الديمقراطي والذي يقوم علي التمثيل النيابي وموقف الإسلام منه فيقول:- " وعلى هذا فليس في قواعد النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم وهو بهذا ليس بعيداً عن النظام الإسلامي ولا غريباً عنه " ( مجموعة الرسائل ص 239 در الدعوة ) فالنيابة والاختيار تقرر في بيعة العقبة الثانية حين طلب الرسول صلي الله عليه وسلم من وفد الأنصار أن يختاروا من يمثلهم بقوله:" أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا يكونون علي قومهم بما فيهم "
خاتمة:- فهذه أهم سمات الدولة المدنية في الإسلام - قديماً وحديثاً – فلا صلة البتة بين هذه الدولة وتصور الغرب والعلمانيين عن الدولة الإسلامية، وإذا كان الدستور ينص علي أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع فإننا لسنا بدعاً في هذا فقد رأينا دولاً أوربية تنص دساتيرها علي مسيحية الحاكم بل وتشترط مذهبه أيضاً, ونذكر في هذا الصدد ما صرح به البابا شنودة وهو بصدد رفضه لحكم قضائي " لا يلزمنا إلا الإنجيل " ولا يخفي علي لبيب مغذي هذا القول وفي ذات الوقت يطالبوننا بإلغاء المادة الثانية من الدستور لأنها تعني الدولة الدينية , ومع ذلك نقول:- لا يجب أن يفهم من المادة الثانية من الدستور قيام سلطة لاهوتية تطبع الدولة بطابع ثيوقراطي تعلو فيها سلطة رجال الدين علي سلطة المجتمع فليس في الإسلام كهانة ولا طبقة دينية وان كان يوجد رجال انقطعوا لدراسة الفقه الإسلامي ولكنهم لم يكونوا يوما أصحاب سلطة أو حكم .. والله أعلم.


مدحت عبد الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2011-12-23, 11:04 PM   #2
دكتور / محمود ماضي
زائر
 

افتراضي

المقال المنشور : مفهوم الدولة في الإسلام بين الأصاله والمعاصرة مقال أنا كاتبه ونشر قبلكم على موقعي أمل الأمه ومنارات وكان موضوع محاضرة لي في كليه الآداب جامعة جنوب الوادي .
وطبعا لا ضير ولا مانع أن ينشر على موقعكم لمزيد من الفائدة لكافة الناس ولكن الضير ألا يكتب اسمي عليه ويكتب اسم غيري الأستاذ / مدحت عبد الله

  رد مع اقتباس
قديم 2011-12-24, 08:12 AM   #3
المعتصم بالله
الادارة
 

افتراضي

بعتذر لحضرتك دكتور محمود
ولم يدعى الاستاذ مدحت انه كاتبه
ولكنه كاتب الموضوع بالمنتدى
وليس لدى مانع ان احذف الموضوع ان حضرتك اردت
لك خالص تحياتى

المعتصم بالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 2012-01-03, 10:44 PM   #4
مدحت عبد الله
متميز بقسم الاخبار
 

افتراضي

اقدم خالص أسفى وأعتذارى للاستاذ . محمود ماضى وانا فعلا أخذت الموضوع من موقع منارات ولم أقصد أبدا ان أنسب لنفسى كتابة المقال بل نشرته بالمنتدى لكى يستفيد منه زوار المنتدى وخاصة أن هذا الموضوع يشغل بال الكثيرين. وأقدم اعتذارى لاستاذنا الجليل محمود ماضى للمرة الثانية

مدحت عبد الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ارجو حل هذه المسالة هام جدا محمد المالطي الرياضيات 5 2013-04-29 12:40 AM
ارجو حل المسالة بسر عة سلمى بلوز الرياضيات 3 2013-01-13 02:16 PM
طريقة التسجيل في جداره الخدمه المدنية 1433 مصراوى 2012 اخر الأخبار 1 2012-01-07 09:04 PM
د‏.‏ محمد عمارة ‏:الدولة الإسلامية نمط فريد يختلف عن الدولة الدينية والدولة العلمانية مدحت عبد الله القسم العام الاسلامى 1 2011-07-07 03:00 PM
الدولة في الإسلام دولة مدنية حصرياً.. ولا دولة دينية في الإسلام مدحت عبد الله القسم العام الاسلامى 0 2011-03-04 10:16 AM


الساعة الآن 03:33 AM


Powered by vBulletin Copyright ©2010 - 2014
-:: منتديات بوابة المعلم ::-
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من عرب للجميع